Table of Contents Table of Contents
Next Page  12 / 468 Previous Page
Information
Show Menu
Next Page 12 / 468 Previous Page
Page Background

ملف العدد: الهجرة وسياسات الضيافة

10

2017 )11(

العدد

موضوع «الضيف وحقوق الضيافة» قديم ومألوف، لا يحمل الغرابة في الشروط العاديّة، والضيف، في الحالة هذه، مؤقت الإقامة، لا

يثير سوء الظنّ، ولا يحرّضعلى أسئلة كثيرة؛ ذلك أنّه لا ينافس مضيفه فيشيء.

غير أنّ البشر يعرفون ظروفاً صعبة لا يتركون فيها وطنهم رغبةً منهم، كأن يجبروا على الرحيل إجباراً، أو أن يفتقروا إلى أسباب الحياة

ويطلبوا «العيش» في بلاد أخرى. وإذا كان في «العمال المهاجرين إلى أوربا» ما يعطيصورة عنضيق المعيش الذي يبعثعلى السفر، فإنّ

في وضع السوريين والعراقيين واليمنيين، اليوم، ما يستدعي «خوفاً» يفرض الهرب؛ ذلك أنّ عشوائيّة الحرب المهلكة تلغي الفرق بين

المتوقع واللامتوقع، وتقتل أفراداً وجماعات، وتهدم بيوتاً، وقد تقوّضعائلات بكاملها إنْ سقطت عليها «قنبلة فراغيّة».

يبدو «المهاجر»، في الحالة الأخيرة، ضيفاً طويل الإقامة، لا يظلّ ضيفاً، ليصبح «لاجئاً» يطالب «بحقوق» ليست له؛ ذلك أنّه «كيان

مضاف» إلى جماعة سقط عليها من غير توقع؛ بل هو «كيان هجين»، غادر وطناً يعرفه ويعرف عاداته وثقافته، والتحق «بأرضغريبة» لا

تعرفه ولا يعرف أعراف أهلها، كما لو كان حالة إنسانيّة مؤقتة تنفتح على الطارئ والموجع واللامنتظر وعلى «الإقامة المؤقتة».

، وإلى اليوم ربّما، ما أُطلِق عليه «الإقامة في اللاإقامة»؛ حيثعلى الفلسطيني

1948

كان في وضع اللاجئين الفلسطينيين بعد «نكبة» عام

أن يقبل بالمكان الذي وصل إليه، فإن كان فيه نكد كثير، انتقل إلى مكان ثانٍ، يتبعه ثالث، وما يشبهه، في انتظار مكان يتمتّع بشيء من

الرحمة. وواقع الأمر أنّ الفلسطينيين؛ أي هؤلاء الذين هُجّروا من وطنهم بالعنف الإسرائيلي، عرفوا أكثر منشكل للـ «الهجرة»، وعرفوا

)؛ إذ الفلسطيني

رجال في الشمس

إرادة البقاء حين بحثوا عن عمل في مواقع متاحة أو ممتنعة، وهو ما عّ عنه غسان كنفاني في روايته (

الذي نجا من رعب «جيش الدفاع الإسرائيلي» لا ينجو من المتاجرين بحياة البشر. ولعلّ الهروب من أكثر من موت محتمل هو الذي

أرسل بفلسطينيين إلى العراق في زمن، ودفعهم إلى الهجرة إلى تشيلي في زمن آخر. فالإقامة في اللاإقامة لم تأتِ من «القتل الإسرائيلي»

فحسب؛ بل جاءت أيضاً من مجازر لحقت بالفلسطينيينفي أراضٍ عربيّة. ولهذا تكن الإشارة إلى سبعينمجزرة تكفّل الزمن الظالم بزيادتها

من غير انقطاع.

جاء الفلسطينيون المبعدون عن وطنهم بصفة اللاجئ الفارّ من اللا أمان إلى أمان محتمل. وأنتجت «مجاعات أفريقيا» بأشكالها المختلفة

صفة العامل المهاجر، وأنتجت الظروف العربيّة الأخيرة صفة المهجّر، الذي هاجر رغماً عنه، لا بحثاً عن رغد العيش، وإنّما الهرب من

الموت ومن شروط مميتة. اجتمعت في هؤلاء جميعاً صفتان: الإنسان الغريب البعيد عن وطن يعرفه، والذاهب إلى أرضلا يعرفها، لا

هي بالمنفى كالحالة الفلسطينيّة، ولا هي بالوطن الأخيرحال الع ّل الأفارقة المهاجرين الذين «لا أوراق لهم»، ويفتقرون إلى أوراق تعرّف

بهم، وتعترف بوجودهم.

وحقّ الضيافة المستحيل

الضعفاء

*

فيصل دراج

* مفكر وأكاديمي من فلسطين