Table of Contents Table of Contents
Next Page  10 / 468 Previous Page
Information
Show Menu
Next Page 10 / 468 Previous Page
Page Background

8

2017 )11(

العدد

كلمة رئيس التحرير

دأب الإنسان، منذ القديم، على الترحال والتنقل بحثاً عن لقمةٍ سائغةٍ للعيش، أو طمعاً في التنعّم بالأمن، أو بدافع من حبّ الفضول

والاستكشاف. غير أنّه مذ أُنشِئت الحدود باتت الهجرة تطرح إشكالات عويصة. تشهد على ذلك المآسي الإنسانيّة التي نعاينها بكثير من

الأسى في البحر الأبيض المتوسط، أو في جنوبشرق آسيا. ومن المفارقات، التي يثيرها مشكل الهجرة، أنّه يجري النظر إليه دوماً على أنّه

جديدٌ كلّ الجدّة، ويحظى بطابع استعجالي، بينما هو يُعيد إنتاج خطاطاتٍ تكاد تكون متماثلة، حتى من حيث اللغة المستعملة، أو الحِجاج

الذي يتمّ التوسّل به واستعادته.

وفي خضمّ الوقائع والأحداث المتلاطمة، التي تقذف بالإنسان في أتون الحروب والمجاعات والفقر، أو تضعه تحت مقصلة الاستبداد،

تُصبح الهجرة ملاذاً، والضيافةُ أفقاً للانتظار. ولعلّ من نافلة القول تأكيد أنّ الضيافة عُدّت دوماً واجباً مقدّساً وممارسةً حرّةً ينتهجها ربّ

البيت إزاء ضيوفه. غير أنّ استقبال الغير اكتسى، عبر توالي القرون وانصرامها، طابعاً مؤسّساتيّاً، فقد أدّى تزايد تنقلات الأفراد والجماعات

إلى جعل تدخّل الدولة أمراً لا مناصمنه؛ فغدت الضيافة شأناً من شؤون الدولة يستدعي انضباطه بالقانون وخضوعه لقواعده.

وإذا كانت الضيافة عادةً ترتبط بفضيلة شخصيّة أكثر من ارتباطها بسياسة جماعيّة، فإنّ الفضل يرجع إلى كانط الذي جعل الحقّ في

الضيافة حجر الزاوية في البناء القانوني للنزعة الكوسموبوليتيّة.

الضيافة ليست موجّهةً بمشاعر طيّبة، كما أنّا لا تُنح لأيّ كان. يميز كانط بين الحقّ في الزيارة والحقّ في الإقامة؛ فإذا كان الحقّ في

الزيارة لا يقبل التفويت، فإنّ الحقّ في الإقامة لا يحظى بالمكانة نفسها؛ لأنّ توطين الغريبيحتاج إلى تدابير مؤسّساتيّة تدخلضمن سيادة

الدولة. هذه القطيعة بين الزيارة والإقامة تُبعد الحقّ في الضيافة عن الاستقبال غير المشروط؛ فالضيافة لا تصبح عند كانط سياسيّةً إلا

بفضل الاعتراف بحقّ الدولة في إبعاد وطرد مَن لا ترغبفي بقائه داخل تراب الوطن.

تدلّ الضيافة هنا «على الحقّ الذي يملكه الغريب، عند قدومه إلى أرض الغير، في أّ يُعامل كعدو [...] ولا يحقّ للغريب أن يطالب

بحقّ الضيافة [...]، وإنّما بحقّ الزيارة، وهو الحقّ الذي يجيز لكلّ إنسان اقتراح نفسه كعضو في المجتمع بموجب حقّ الحيازة المشتركة

لسطح الأرض التي لا يستطيع الناس، بحكم كُرَويّتها، الانتشار فيها إلى ما لا ناية». نحن هنا حيال حجّة كوبرنيكيّة النمط، تستند إلى

فكرة كوننا نسكن فضاءً محدوداً. في وسع الناسدائماً أن يذهبوا إلى مكان آخر، لكن طالما نحن مضطرون إلى العيشفي عالم محدود، يتعّ

علينا أن نقطن في أيّ مكان. ويلحّ كانط على أنّ الأمر لا يتعلق بالإحسان وإنّما بالحق. فالضيافة تعني حقّ الغريب في أّ يُعامل بوصفه

عدوّاً... هذا المقطع مذهل فعلاً بفكرته التي تستدعي المحدوديّة الجغرافيّة: لمّا كانت الأرضكرويّة، فإنّ سكّانا مطالبون بتحمّل بعضهم

بعضاً؛ أي أن يتمكّنوا من السكن في أيّ مكان على سطح الكرة الأرضيّة. إذاً، مبدأ الحقّ نفسه (تعايش إراداتحرّة داخل فضاء محدود)

هو الذي يُفضي إلى الضيافة.

إنّ هذه الحجّة لا تهاجم، بأيّ شكل من الأشكال، مفهوم السيادة، ولكنّها تتصدّى بكلّ حزم لكراهيّة الأجانب. لكنّ هذا التصوّر

الكانطي للضيافة تعرّض للنقد من طرف ديريدا، الذي يرى أنّ الضيافة لا يمكن أن تؤدّي دورها إلا إذا كانت مبدأ خالصاً مستقًّ عن

كلّ ما يمكن أن يشرطه، فلا يمكن للضيافة أن تُقَيّد بعقد اجتماعي أو بتدابير أمنيّة. إذا وضعنا الضيافة تحتسيادة الدولة فإنّا لا يمكن

أن تتوافر على هذا البُعد المتعالي الذي يجعلها أداةً لتصحيح الاختلالات. إنّ «الضيافة لا تكون كذلك إلا إذا كانت منفتحة على غرابة